ابن سبعين
273
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
ومن أسمائه أيضا عين الرحمة ورحمة العالمين قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] : أي رحمة شاملة لكلهم عامة في جميعهم مفاضة على سائرهم من جن وإنس ، وملك وغيرهم ، إيجادا وإمدادا ، وامتنانا وإسعادا . وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه عنه : جميع الأنبياء خلقوا من الرحمة ونبينا صلّى اللّه عليه وسلّم هو عين الرحمة . قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] . وإذا كان عين الرحمة فهو أصل الرحمات وينبوعها ، وليس شيء منها خارجا عنه بل كل مرحوم مسهوم منه وآخذ لحصته من جنابه . وقال الشيخ عبد الجليل القصري في « شعب الإيمان » له في الشعبة الموفية خمسين وهي شعبة حب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذكره لهذه الآية ما نصه : فهو صلّى اللّه عليه وسلّم المرحوم به العالمون بنص هذه الآية ، ثم قال بعد كلام في بيان ذلك فإذا فهمت هذا كله علمت أنه رحمة للعالمين وبركة شاعت وظهرت في الوجود أو تظهر من أول الإيجاد إلى آخره إنما ذلك بسببه صلّى اللّه عليه وسلّم انتهى . أخرج أبو عبد اللّه محمد الترمذي الحكيم في « نوادر الأصول » جعل اللّه تعالى للجنة بابا زائدا ، وهو باب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو باب الرحمة وباب التوبة ، فهو منذ خلقه اللّه مفتوح لا يغلق ، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق ، فلم يفتح إلى يوم القيامة وسائر أبواب الأعمال مقسومة على أعمال البر . ثم قال : فأما باب التوبة من الجنة الزائد على الأبواب ، فليس هو باب عمل إنما هو باب الرحمة العظمى ، إليه تدخل توبة العباد إلى اللّه تعالى ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا نبيّ التوبة وأنا رحمة مهداه » . فنفس محمد صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة للعالمين وسائر الأنبياء مبعثهم رحمة ، فلذلك سعد من أجاب ما بعثوا به من الهدى وعوجل بالعذاب ، من أعرض عنهم ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم مولده ونفسه رحمة وأمان ، وكذا مدفنه إلى نفخ الصور ، فحرمة تلك الرحمة وأمانه قائم انتهى .